Monday, October 29, 2012

في المرجعية الازهرية للمواطن القبطي


بالامس كنت مع بعض اصدقاء لي نتحدث عن احد القرارات التي اتخذتها الكنيسة التى انتظم بها وكان رأيي في القرار انه متشدد بدأت تبعاته السيئة في الظهور وكان تعليقي في نهاية الحوار هو: "مبقتش فاهم الدماغ السلفية اللي بدأت تظهر دي!"

عدت الي المنزل لأجد حوار الانبا بولا اسقف طنطا مع المصري اليوم الذي سينشر في اليوم التالي(اليوم) امامي، بدأت في قراءه مقتطفات من الحديث وتفاقم الضيق الفكري الذي شعرت به لدائرة اوسع كثيراً من دائرة كنيستي المحلية.

قبل الدخول في الحوار، لم افهم لماذا لم ينسحب الانبا بولا كممثل للكنيسة مع باقي الممثلين مثلما حدث مع التأسيسية الأولى؟ .. لا اجد اي اختلاف بل على العكس .. لم تستفد التأسيسية من الوقت الاطول الذي اتيح لها لتعطينا اي امل في دستور يعبر عن الحد الادنى من متطلبات الثورة.

***
يقول الانبا بولا: أن مرجعية الازهر يقبلها المسيحي قبل المسلم

اشكالية تمثيل الكنيسة السياسي للاقباط تفوح من هذة العبارة بشدة. كيف عرف الانبا بولا ان المسيحيين كلهم يقبلون المرجعية الازهر؟

هل مسألة المرجعية الدينية للدولة مسألة مبدئية؟ بمعني هل لو كانت الاغلبية في مصر مسيحية، هل تكون الكنيسة او المجمع المقدس هو المرجعية للقوانين والتشريعات؟ هل كنا سنسعى آنذاك لنموذج اوروبي على غرار الكنيسة الكاثوليكية في عصور اوروبا الوسطى خصوصاً انه يرفض العلمانية ويراها "نموذج اوروبي استبد الدين وغيب القيم الدينية" على حد قوله؟

هل يعلم الانبا بولا ان حزباً ذو نزعة اسلامية وهو حزب مصر القوية رفض مسودة الدستور بسبب مادة مرجعية الازهر والتي تعطي للازهر "وصاية دينية" على الدولة على حد تعبيره؟

يقول الانبا بولا في الحوار ذاته انه يرفض سلطة رجال الدين .. فماذا عن سلطة المؤسسات الدينية؟

ماذا عن البهائيين؟ ماذا عن شهود يهوة والادفنتست وغيرهم؟ ما لهم ومال لرضي المسلمين والمسيحيين بمرجعية الازهر؟

تجلت نفس هذة الاشكالية الازلية - تمثيل الكنيسة السياسي للاقباط - في موضع اخر من الحوار رداً على سؤال: هل اصبح منصب البابا سياسياً اكثر من السابق؟ .. فكان الرد ان "البابا هو زعامة دينية، لكن مع العصر الحديث أصبح كأب لأولاده من الرعية، يقدم لهم النصائح والإرشادات، سواء من تلقاء نفسه فى العظة، أو بالإجابة عن أسئلتهم بعدها".

وجدت صعوبة بعض الشئ في تفهم هذا الرد، ولم افهم هل يؤكد الانبا بولا على دور ما سياسي للبابا والكنيسة كقاعدة جديدة لم تكن تألفها؟ ام ان رده كان روحياً في هذه المسألة؟ مع العلم ان السؤال كان عن الدور السياسي للبابا.

حصر نظام مبارك الاقباط وحاصرهم داخل الكنيسة في لعبة التوازنات التي اجادها لفترة حتى انفجرت في وجهه وبدأنا نرى الاقباط بعد الثورة يخرجون شيئاً فشيئاً الي الدائرة الارحب، المجتمع .. بدأت اتشكك ان هذا سيستمر.


***
تُذكِر المحاورة الانبا بولا بأن الاقباط عانوا من اضطهاد في ظل النظام القديم ومن عدم السماح لهم بحرية الاعتقاد وبناء دور العبادة، الامر ذاته حدث مع البهائيين فيقول: "لا نريد أن نفتح هذا الباب، لأنه سيفتح على مصر أبواباً لا يستطيع أحد غلقها. مثلاً، هناك مصانع كثيرة فى مصر بها عمالة أسيوية، لهم انتماءات دينية غير سماوية، فهل نطالب الدولة بتوفير دور عبادة لهم؟ ونفس الحال مع البهائيين".

كنت اتصور ان التمثيل القبطي في الجمعية التأسيسية ربما يكون تعبيراً (ولو متهافت جداً) عن تنوع ما حاصل في المجتمع اكثر من كونه تمثيلاً للاقباط يحاولوا من خلاله قدر المستطاع انتزاع بعض من حقوقهم هم فقط ولا يهم الاخرون!

تتشابك هذه الحقيقة الصادمة مع اجابة الانبا بولا عن سؤال حول بناء الكنائس حيث طالب باصدار قانون موحد للاسكان المصري يحتوي على فصلين: فصل لدور العبادة الاسلامية وفصل لدور العبادة المسيحية فقط!

***
اكثر العبارات التي اثارت ذهولي في هذا الحوار بلا نظير هي: "اتفقنا على المسيحية واليهودية (بجانب الاسلام كأديان معترف بها)، وأنا صاحب هذا الاقتراح، لا الإخوة السلفيون، ووجدت تأييدا من عدد كبير بالجمعية."

فشل عقلي في استيعاب هذا التصريح، اي منطق فكري او سياسي او حتى ديني قد يكون وراءه؟ .. هل هو حقيقي اصلا ً ام انه لرفع  الحرج عن السلفيين؟.. ممثل لأقلية دينية يقترح على الاغلبية ان لا تعترف بأقلية دينية اخري!!

***
مشهد النهاية في فيلم التأسيسية السخيف هو صندوق الاقتراع. كنت قد تفائلت كثيراً بقرار القائم مقام الانبا باخوميوس الاخير من تجميد عمل لجان المواطنة وموقفه من التوصيات التي تصدر من بعض قيادات الكنيسة اثناء الانتخابات البرلمانية والرئاسية ومعاقبة من يخالف ذلك.. لكن، ماذا عن الدستور القادم؟ هل سنري مشهداً سيرالياً تتفق فيه قيادات التيار الاسلامي مع بعض هذه القيادات الكنسية في التصويت بنعم على الدستور؟

***
ما جاء في هذا الحوار هو بالضبط ما حذر منه الكثير من الاصلاحيين داخل الكنيسة وعلى رأسهم الاب متى المسكين من تدخل الكنيسة في العمل السياسي وخضوعها او تفاهمها مع السلطة.. عواقب وخيمة في الانتظار اذا لم يتغير الوضع.